ابن أبي الحديد
42
شرح نهج البلاغة
أن يستنفروا من مروا به ، فمروا علينا فاستنفرونا ، فنفرنا معهم في غزاة ذات السلاسل وهي التي تفخر بها أهل الشام ، فيقولون : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر - ، قال : فقلت ، والله لأختارن في هذه الغزاة لنفسي رج لا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أستهديه ، فإني لست أستطيع إتيان المدينة ، فاخترت أبا بكر ولم آل ، وكان له كساء فدكي يخله ( 1 ) عليه إذا ركب ، ويلبسه إذا نزل وهو الذي عيرته به هوازن بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا لا نبايع ذا الخلال ، قال : فلما قضينا غزاتنا ، قلت له : يا أبا بكر إني قد صحبتك وإن لي عليك حقا فعلمني شيئا أنتفع به . فقال : قد كنت أريد ذلك لو لم تقل لي : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة ، وتحج البيت ، وتصوم شهر رمضان ولا تتأمر على رجلين ، فقلت : أما العبادات فقد عرفتها ، أرأيت نهيك لي عن الامارة ! وهل يصيب الناس الخير والشر إلا بالإمارة ! فقال : إنك استجهدتني فجهدت لك ، إن الناس دخلوا في الاسلام طوعا وكرها فأجارهم الله من الظلم ، فهم جيران الله وعواد الله وفى ذمة الله فمن يظلم منكم إنما يحقر ربه ، والله إن أحدكم ليأخذ شويهة جاره أو بعيره ، فيظل عمله بأسا بجاره ، والله من وراء جاره ، قال : فلم يلبث إلا قليلا حتى أتتنا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألت : من استخلف بعده ؟ قيل : أبو بكر ، قلت أصاحبي الذي كان ينهاني عن الامارة ! فشددت على راحلتي ، فأتيت المدينة ، فجعلت أطلب خلوته ، حتى قدرت عليها ، فقلت : أتعرفني ؟ أنا فلان بن فلان ، أتعرف وصية أوصيتني بها ؟ قال : نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ، والناس حديثو عهد بالجاهلية فخشيت أن يفتتنوا ، وإن أصحابي حملونيها ، فما زال يعتذر إلى حتى عذرته ، وصار من أمري بعد أن صرت عريفا . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة ، عن رجاله ، عن الشعبي ، قال : قام الحسن ابن علي عليه السلام إلى أبى بكر وهو يخطب على المنبر فقال له : انزل عن منبر أبى ، فقال ،
--> ( 1 ) يخله عليه ، أي يجمع بين طرف الكساء بخلال من عود أو حديد .